النوع المثالي

ما هو النوع المثالي للزواج ؟

** د.محمد المهدي

استشاري علاج زواجي ورئيس قسم الطب النفسي – كلية طب دمياط - جامعة الأزهر

* ما زلنا نتعرّف سوياً على كيفية اختيار شركاء الحياة، وفي هذه الحلقة سنتعرّف على أنواع الزيجات.

** أنماط الزيجات :


ــ هناك ثلاثة أنماط رئيسية للزيجات قائمة على فارق السن، وعلى الدور الذي يلعبه كل شريك مع الآخر:

1. الزوجة الأم : وهي غالبًا أكبر سنًا من الزوج، وتقوم هي بدور رعايته واحتوائه.

2. الزوجة الصديقة : وهي قريبة في السن من زوجها، ولهذا فالعلاقة بينهما تكون علاقة متكافئة, أقرب ما تكون إلى علاقة صديقين يرعى كل منهما الآخر بشكل تبادلي.

3. الزوجة الابنة : وهي تصغر الزوج بسنوات كثيرة, ولذلك يتعامل معها كطفلة يدللها ويرعاها ويتجاوز عن أخطائها, بينما تلعب هي دور الطفلة وتسعد به.

* وربما يسأل سائل :

ما هو النمط المثالي من بين هذه الأنماط ؟


ــ والإجابة هي: أن الزواج مسألة توافق بين الطرفين, فكلما كان كل طرف يلبي احتياجات الآخر كان التوافق متوقعًا ومن هنا يصعب القول بأن نمطًا محددًا هو النمط المثالي حيث إن لكل زوج وزوجة احتياجات متباينة يبحث عنها في نمط معين يلبي هذه الاحتياجات, وإن كانت القاعدة العامة هي أن يكبر الزوج الزوجة ويسبقها في مراحل النضج النفسي والاجتماعي.

ــ والرسول صلى الله عليه وسلم كان له في حياته هذه الأنماط الثلاثة من الزيجات, فقد كانت له الزوجة الأم ممثلة في السيدة خديجة رضي الله عنها وكأنما كان يعوض بها حنان الأم الذي افتقده وهو صغير, وكان وجودها مهمًا جدًا في هذه الفترة من حياته حيث كان في حاجة إلى من يحتويه ويرعاه ويسانده خاصة في المراحل الأولى من الدعوة. وتزوج في مراحل تالية الزوجة الصديقة متمثلة في السيدة حفصة والسيدة زينب بنت جحش ثم كان له نمط الزوجة الابنة ممثلا في السيدة عائشة والتي اقترن بها في مرحلة من عمره استقرت فيها الدولة والرسالة وأصبح في وضع يسمح له برعاية واحتواء وتدليل زوجة صغيرة, وكأنما كان صلى الله عليه وسلم يواكب احتياجات فطرته كما يواكب احتياجات رسالته, فزيجاته كانت تحقق في مراحلها وأنماطها المختلفة تلبية لاحتياجات فطرية مشروعة وتلبية لاحتياجات الرسالة من مصاهرة وتقوية صلات ورواية حديث ورعاية أسر مات عائلها.

* التكافؤ :

ــ وهو يعني تقارب الزوجين من حيث السن والمستوى الاجتماعي والثقافي والقيمي والديني, ذلك التقارب الذي يجعل التفاهم ممكنًا حيث توجد مساحات مشتركة تسمح بدرجة عالية من التواصل بين الطرفين. وكثيرًا ما يحاول المحبون القفز فوق قواعد التكافؤ اعتقادًا بأن الحب كفيل بتجاوز الحدود العمرية والاجتماعية والثقافية والدينية, ولكن بعد الزواج حين تهدأ حرارة الحب تبدأ هذه العوامل في التكشف شيئًا فشيئًا وينتج عنها عوامل شقاق عديدة.
ــ وكلما توافر للزواج أكبر قدر من عوامل التكافؤ كانت احتمالات نجاحه أعلى. وهذه القاعدة لها استثناءات عديدة، فأحيانًا يكون هناك عامل أو عاملان من عوامل التكافؤ مفقودًا، ولكن يعوضه أو يعوضهما عوامل أخرى أكثر قوة وأهمية.

* سوء التوافق المحسوب :

ــ أحيانًا نجد زوجين بينهما اختلافات هائلة في العمر أو في المستوى الاجتماعي أو الثقافي أو الديني, وهذه الاختلافات تنبئ عن اضطراب التوافق بينهما, ولكننا نجد في الواقع أنهما متوافقان (أو على الأقل متعايشان رغم ما بينهما من عوامل شقاق), والسبب في ذلك أن كلا منهما يحتاج الآخر على الرغم مما بينهما من سوء توافق ظاهري, فمثلاً نجد زوجة حسناء صغيرة السن قد تزوّجت رجلاً يكبرها كثيراً في السن, فنحن نتوقّع لها التعاسة, ولكنها في الحقيقة متوافقة؛ لأن المال والحياة المرفّهة تعني الكثير بالنسبة لها وهي لا تستطيع الاستغناء عنها, إضافة إلى أن هذه الزوجة الصغيرة افتقدت في طفولتها حنان الأب وهي في حاجة شديدة إلى من يعوضها هذا الحنان، لذلك نجدها تنفر من أبناء جيلها، وتعتبرهم شباباً طائشين غير ناضجين وتنجذب إلى الزواج من شخص ناضج حتى ولو كان يكبرها بسنوات عديدة.

ــ أو أننا نرى زوجة قوية ومسترجلة تقود زوجها وتسيطر عليه, فنتوقّع أنهما غير سعيدين, ولكن في الواقع نجد أنهما متوافقان؛ لأن الزوج لديه الرغبة في أن يحتمي بأحد وأن يرعاه أحد, فيجد ذلك عند زوجته, خاصة إذا كان قد حرم حنان الأم فيحتاج إلى أن يلعب دور الطفل مع زوجة تلعب دور الأم. وهناك الكثير من الخيارات التي تبدو شاذة أو غريبة، ولكنها في الحقيقة تحقق هذه الحالة من عدم التوافق المحسوب. ومن المفارقات أن نجد فتاة عانت من قسوة أبيها واستبداده، ومع هذا نجدها عند زواجها قد اختارت زوجاً قاسياً مستبداً، وكأنها قد أدمنت العيش تحت السيطرة والقهر فلا تستطيع أن تحيا بغير هذا النمط من الرجال, ونجدها تفعل ذلك وتتوافق معه على الرغم من شكواها المستمرة من القسوة والاستبداد.

* أهمية أسرة المنشأ :

ــ تلعب أسرة المنشأ دوراً هاماً في تشكيل شخصية شريك الحياة, فالشخص الذي عاش في جو أسري هادئ ودافئ في حضن أبوين متحابين متآلفين ومع إخوة وأخوات يتعلم معهما وبهما معنى العيش مع آخرين, هذا الشخص نتوقّع نجاحه أكثر في الحياة الزوجية؛ لأن نموذج الأسرة بكل أركانها يكون مطبوعًا في برنامجه العقلي والوجداني, فهو أكثر قدرة على أن يحِب ويحَب, وأن يعطي ويأخذ وأكثر قدرة على العيش المستقر الدائم مع شريك الحياة. وعلى العكس من ذلك نجد أن الشخص الذي رأى وعاش تجربة انفصال والديه وتفكك الأسرة, نجده أكثر قدرة على الهجر وعلى الانفصال عن شريكه؛ لأنه تعوّد على الهجر وتعوّد على الاستغناء عن الآخر, ولا يجد صعوبة في ذلك, كما أن نموذج الأسرة ليس واضحاً في عقله ووجدانه.

ــ وقد قام "والتر ترومان" وهو أستاذ لعلم النفس بإحدى الجامعات الألمانية بدراسة طبائع الشبان والشابات بناءً على ترتيبهم أو ترتيبهن في أسرة المنشأ ومناسبة النماذج المختلفة لبعضها البعض فوجد التالي:
ــ الفتاة التي تبحث عن قوة الشخصية والثروة عليها أن تركز جهودها في البحث عن أكبر إخوته فهو (عادة) أكثرهم توفيقًا ونجاحًا و(عادة) أقواهم شخصية وأقدرهم على فهم الناس وعلى الإنجاز.
ــ وإذا كانت تبحث عن الحنان فستجده في قلب شاب له أخوات أصغر منه.
ــ وإذا كانت تبحث عن زوج ضعيف الشخصية تحركه كيف تشاء, فإنها تجد هذا في أصغر الأبناء في الأسرة فهو قد تعوّد على تلقي الأوامر والتعليمات، ولم يتعوّد على إصدارها، والعروس التي تبحث عن هذا النمط من الأزواج هي (عادة) الأخت الكبرى والتي قد تعوّدت أن تكون صاحبة الرأي والسلطة.
ــ والعريس الملائم لأصغر أخواتها هو أكبر إخوته فقد تعوّد أن يكون الحاكم بأمره, وتعوّدت هي على تلقي الرعاية وتلقي الأوامر.